ابن عربي
79
تفسير ابن عربي
التأثير فيناسبه ولم يكن قاهر غيره فيشاركه على حالهم أو للبناء على تأويلهم بالقوى النفسانية المقهورة هناك ، المعذبة بالرياضة ، والله أعلم . تفسير سورة الفرقان من [ آية 27 - 32 ] تثبيت فؤاده عليه السلام بالقرآن هو أنه لما رد في مقام البقاء بعد الفناء إلى حجاب القلب لهداية الخلق كان قد يظهر نفسه وقتا غب وقت على قلبه بصفاتها ، ويحدث له التلوين بسببها كما ذكر في قوله : * ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) * [ الحج ، الآية : 52 ] ، وفي قوله : * ( عبس وتولى 1 ) * [ عبس ، الآية : 1 ] فكان يتداركه الله تعالى بإنزال الوحي والجذبة ويؤدبه ويعاتبه فيرجع إليه في كل حال ويتوب ، كما قال عليه السلام : ' أدبني ربي فأحسن تأديبي ' . وقال صلى الله عليه وسلم : ' إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة ' حتى يتمكن ويستقيم . وكان سبب ظهور ابتلاء الله تعالى إياه بالدعوة لإيذاء الناس إياه وعداوتهم ومناصبتهم له ، والحكمة في الابتلاء أمران ، أحدهما : راجع إليه ، وهو أن يظهر نفسه بجميع صفاتها في مقابلة استيلاء الأعداء المختلفين في النفوس وصفاتها واستعداداتها ومراتبها فيؤدبه الله بحكمة وجوب كل صفة وفضيلة كل قوة ، فيحصل له جميع مكارم الأخلاق وكمالات جميع الأنبياء كما قال عليه السلام : ' بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ، وأوتيت جوامع الكلم ' . فإن ظهوره بكل صفة هو ظرف قبوله لفضيلتها وحكمتها ، إذ لولا الجهات المختلفة في القلب بواسطة صفات النفس لما استعد لقبول الحكم المتفننة والفضائل بتخصص توجهه لكل واحدة منها . والثاني : راجع إلى الأمة ، فإنه رسول إلى الكل واستعداداتهم متباينة ، ونفوسهم في الصفات متفاوتة . فيجب أن يكون فيه جوامع الحكم والكلم والفضائل والأخلاق ليهدي كلا منهم بما يناسبه من الحكمة ، ويزكيه بما يليق به من الخلق ، ويعلمه ما ينتفع به من العلم على حسب استعداداتهم وصفاتهم وإلا لم يمكنه دعاء الكل . فعلى هذا كون التنزيل مفرقا منجما إنما يكون بحسب اختلاف صفات نفسه في الظهور منها على أوقاته موجبا لتثبت قلبه في الاستقامة في السلوك إلى الله ، وفي الله عند الاتصاف بصفاته ، ومن الله في هداية الخلق ، وتلك هي الاستقامة